فخر الدين الرازي
78
المطالب العالية من العلم الإلهي
الفطرة الأصلية لا يدل على كون ذلك الحكم صحيحا . فإن قالوا إنهم مطبقون بحكم الفطرة الأصلية على افتقار البناء إلى الباني ، وليسوا مطبقين على افتقار البناء إلى المادة السابقة بدليل أن المتكلمين يخالفونهم في صحة هذه المقدمة . فنقول في الجواب عن هذا السؤال : إنا إذا أردنا تمييز القضايا الفطرية الأصلية « 1 » عن غيرها ، فالمعتبر في ذلك التمييز حكم الفطر الأصلية « 2 » التي لم تتعود المشاغبات والمجادلات ولم تألف التزام المكابرات ، ومن المعلوم أن حكم جمهور الخلق في إحدى القضيتين مثل حكمهم في القضية الأخرى . بقي أن يقال : إن افتقار البناء إلى المادة السابقة يخالف فيه طائفة من المتكلمين . فيقال : وافتقار البناء إلى الباني يخالف فيه قوم آخرون ، فإن كان ظهور « 3 » المخالفة من الجمع القليل قادحا في كون القضية بديهية ، فهذا المعنى حاصل في الطرفين ، وإن كان لا عبرة بموافقة أهل الجدل والشغب وبمخالفتهم ، وإنما العبرة بحكم الفطرة الأصلية والنفوس الخالية عن النقوش الباطلة ، فهذا المعنى حاصل في البابين فظهر أنه لا سبيل إلى الفرق . والثاني : إنا نرى العقلاء مطبقين على أن الشيء لا يحدث إلا في زمان معين [ ومكان معين ] « 4 » ثم « 5 » إن المتكلمين زعموا أن حدوث الشيء لا يتوقف على سبق زمان معين ومكان معين ، وإلّا لزم القول بقدم الزمان والمكان ، وإذا ثبت هذا فنقول : إطباق العقلاء على افتقار الحادث [ إلى الفاعل ليس أقوى عند العقل الأول من إطباقهم على افتقار الحادث ] « 6 » إلى الزمان والمكان ، فإن جاز التكذيب في أحد البابين جاز في الباب الثاني « 7 » ، وإن وجب التصديق في أحد البابين ، وجب في الباب [ الثاني ] « 8 » فثبت أن الفرق باطل .
--> ( 1 ) البديهية ( س ) . ( 2 ) فإنا نعتبر في ذلك تمييز الفطرة الأصلية ( س ) . ( 3 ) طريق ( س ) . ( 4 ) من ( ز ) . ( 5 ) من ( ز ) . ( 6 ) من ( س ) . ( 7 ) الآخر ( س ) . ( 8 ) من ( س ) .